الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

97

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 39 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 39 ] إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) هذا وعيد وتهديد عقب به الملام السابق ، لأنّ اللوم وقع على تثاقل حصل ، ولمّا كان التثاقل مفضيا إلى التخلّف عن القتال ، صرّح بالوعيد والتهديد أن يعودوا لمثل ذلك التثاقل ، فهو متعلّق بالمستقبل كما هو مقتضى أداة الشرط . فالجملة مستأنفة لغرض الإنكار بعد اللوم . فإن كان هذا وعيدا فقد اقتضى أنّ خروج المخاطبين إلى الجهاد الذي استنفرهم إليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد وجب على أعيانهم كلّهم بحيث لا يغني بعضهم عن بعض ، أي تعيّن الوجوب عليهم ، فيحتمل أن يكون التعيين بسبب تعيين الرسول صلى اللّه عليه وسلم إياهم للخروج بسبب النفير العام ، وأن يكون بسبب كثرة العدوّ الذي استنفروا لقتاله ، بحيث وجب خروج جميع القادرين من المسلمين لأنّ جيش العدوّ مثلي عدد جيش المسلمين . وعن ابن عباس أنّ هذا الحكم منسوخ نسخه قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [ التوبة : 122 ] فيكون الجهاد قد سبق له حكم فرض العين ثم نقل إلى فرض الكفاية . وهذا بناء على أنّ المراد بالعذاب الأليم في قوله : يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً هو عذاب الآخرة كما هو المعتاد في إطلاق العذاب ووصفه بالأليم ، وقيل : المراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا كقوله : أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا [ التوبة : 52 ] فلا يكون في الآية حجّة على كون ذلك الجهاد واجبا على الأعيان ، ولكنّ اللّه توعّدهم ، إن لم يمتثلوا أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، بأن يصيبهم بعذاب في الدنيا ، فيكون الكلام تهديدا لا وعيدا . وقد يرجح هذا الوجه بأنّه قرن بعواقب دنيوية في قوله : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ . والعقوبات الدنيوية مصائب تترتّب على إهمال أسباب النجاح وبخاصّة ترك الانتصاح بنصائح الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، كما أصابهم يوم أحد ، فالمقصود تهديدهم بأنّهم إن تقاعدوا عن النفير هاجمهم العدوّ في ديارهم فاستأصلوهم وأتى اللّه بقوم غيرهم . والأليم المؤلم ، فهو فعيل مأخوذ من الرباعي على خلاف القياس كقوله تعالى : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * [ لقمان : 2 ] ، وقول عمرو بن معديكرب : أمن ريحانة الداعي السّميع أي المسمع .